السيد عباس علي الموسوي

23

شرح نهج البلاغة

ومن قرب لقاءه مع اللّه استعد لهذا اللقاء ولا يكون ذلك إلا بالتقوى وإصلاح النفس والطاعة للهّ . وأما تهوين الشديد فهو تسهيل الأوامر التي لا تتوافق مع أهواء النفس وميولها فييسرها الإنسان ويخفّفها على نفسه فيقوم بها ويمتثلها . . . ( نظر فأبصر ) نظر بعين البصيرة والعقل إلى الكون وما فيه فأدرك حكمة اللّه وغايته وما هو المطلوب منه كإنسان اختاره اللّه على جميع مخلوقاته قال تعالى : ( 1 ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ . . . . . ( وذكر فاستكثر ) ذكر اللّه فأكثر من ذكره حتى أصبح الذكر ملكة له يمارسه في كل لحظات حياته وليس الذكر هو سبحان اللّه والحمد اللّه ولا إله إلا اللّه بل هو الأعم والأشمل من ذلك هو التوقف عن معصية اللّه والعمل بطاعته . . . ( وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده ) أخذ من العلوم الإلهية الصحيحة عن الطرق السليمة الموصلة إلى الحقيقة ، . . . أخذ من أحكام اللّه وتعاليمه ما جاءت به الرسل وذلك عن طرق الأئمة الهداة الذين اختارهم اللّه لأداء هذا الدور وقد قام أئمة أهل البيت بنقل ما جاء عن جدهم الرسول الأعظم ولا نجد طريقا إليه أشرف وأنظف وأطهر وأصدق من هذا الطريق . . . ( فشرب نهلا وسلك سبيلا جددا ) أخذ العلوم كاملة ودفعة واحدة فعرف العقائد والأحكام والحلال والحرام وسار في طريق اللّه الواضح البيّن الذي لا ينحرف عنه يمينا أو شمالا إنها الطريق الوسطى التي لا إفراط فيها ولا تفريط . . . ( قد خلع سرابيل الشهوات ) أي تخلى عما يصده عن الحق ويحول بينه وبين لقاء اللّه فكل ما ترغب فيه النفس من مجالس الهوى وحب الغيبة والنميمة وغيرها قد هجره وفارقه ولم يلتفت إليه . . . ( وتخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به ) لم تشغل باله هموم الدنيا وما فيها لأنه يراها لا تستحق الهم لحاقرة ما فيها وصغره ، نعم هناك هم واحد استولى على قلبه وانفرد به إنه رضا اللّه من أجله أصيب بالهم ومن أجله لم يستقر ، إنه يبحث عن مواقع رضا اللّه باستمرار وأين ما كان وفي أي زمان كان . . .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 191 .